رسالة عبر واتساب، وصوت مستنسخ بالذكاء الاصطناعي، وبضع ساعات فقط، كانت كافية لإخراج نحو 95 مليون يورو من خزينة فيديورام، فرع الصيرفة الخاصة التابع للمجموعة الإيطالية إنتيزا سان باولو. وقد تم منذ ذلك الحين استرجاع قرابة 53 مليون يورو، غير أن 36 مليون يورو لا تزال مجهولة المصير. وتكشف هذه القضية، التي نشرتها صحيفة كورييري ديلا سيرا في أواخر سبتمبر 2026، عن تحوّل لافت: فقد دخل الاحتيال القائم على انتحال صفة المسؤولين عصر التزييف العميق، ولم تعد الشبابيك هي المستهدفة، بل قمة الهرم في البنوك.
تفاصيل عملية الاحتيال
في 23 فيفري 2026، تلقّى باولو موليزيني، رئيس فيديورام آنذاك، على هاتفه المهني رسالة عبر واتساب بدا أنها صادرة عن كارلو ميسينا، المدير التنفيذي لمجموعة إنتيزا سان باولو. وتحدّث المسؤول المزيّف عن صفقة وشيكة للاستحواذ على بنك دولي. ووفق السيناريو المقدَّم، لا يمكن لإنتيزا سان باولو إنجاز العملية مباشرة بسبب تسرّب معلومات واحتمال تدخّل كونسوب، هيئة الرقابة على البورصة في إيطاليا. ولذلك يتعيّن أن تمرّ الصفقة عبر فيديورام، على وجه الاستعجال وفي سرية تامة.
ثم جاء اتصال هاتفي بصوت باولو ناستاسي، الشريك المسيّر لمكتب المحاماة إيه آند أو شيرمان في إيطاليا، والذي يعرفه رئيس فيديورام شخصياً. وبحسب المحققين، فقد استُنسخ هذا الصوت بواسطة الذكاء الاصطناعي، فيما لا علاقة للمحامي بالقضية إطلاقاً. وفي اليوم ذاته، جرى الاتصال أيضاً بمسؤول الخزينة في فيديورام.
واقتناعاً منه بأنه ينفّذ تعليمات مشروعة، أعطى الرئيس أوامر بتحويلات بلغت نحو 95 مليون يورو نحو حسابات يقع أغلبها في الصين وهونغ كونغ. وقد أمكن استرجاع جزء من الأموال، أي قرابة 53 مليون يورو، بفضل مساعي البنك وتدخّل السلطات الصينية والبرتغالية والإيطالية. أما الـ36 مليون يورو المتبقية، فقد حُوّلت إلى أصول مشفّرة ولا يزال مصيرها مجهولاً.
وقد فتحت النيابة العامة في ميلانو تحقيقاً بتهمة الاحتيال المعلوماتي يستهدف شخصاً أجنبياً مقيماً خارج أوروبا. أما باولو موليزيني، الذي غادر رئاسة فيديورام في مارس متعللاً بأسباب شخصية، فليس محلّ تتبّع في هذا التحقيق.
أسلوب احتيال قديم، جعله الذكاء الاصطناعي أكثر إقناعاً
في جوهره، لا يحمل هذا المخطط أي جديد. فالاحتيال القائم على انتحال صفة المسؤولين يعتمد منذ أكثر من عقد على الركائز ذاتها: انتحال سلطة تراتبية، وعامل الاستعجال، واشتراط السرية الذي يعزل الضحية عن مسارات الرقابة المعتادة. وقد كانت الذريعة الرقابية المستعملة هنا، أي الخشية من تدخّل هيئة الرقابة، تهدف تحديداً إلى تبرير الالتفاف على الإجراءات.
أما ما تغيّر فهو مستوى المصداقية. إذ باتت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تتيح استنساخ صوت انطلاقاً من مقاطع علنية قليلة، كالحوارات الصحفية والمؤتمرات والاتصالات المالية. فالرسالة المكتوبة تمهّد للسيناريو، والمكالمة الصوتية من محاور مألوف تؤكده. ولم يعد التعرّف على الصوت، الذي طالما اعتُبر وسيلة ضمنية للتثبّت من الهوية، كافياً لضمان هوية المتحدّث.
كما تغيّر الهدف أيضاً. فالمسيّرون يجمعون بين سلطة القرار والظهور العلني الواسع والاستعمال المكثّف لتطبيقات المراسلة الفورية، ولا يملكون دائماً معرفة دقيقة بالقدرات الحالية لتقنيات توليد الصوت. وفي إيطاليا سابقة في هذا الشأن: ففي سنة 2025، دُفع رجل الأعمال ماسيمو موراتي إلى تحويل قرابة مليون يورو إثر مكالمة قلّدت صوت أحد الوزراء.
مسألة الحوكمة
بعيداً عن الجانب التكنولوجي، تطرح هذه القضية مسألة الرقابة الداخلية. فتعليمات وردت عبر تطبيق مراسلة، وتأكّدت بمكالمة بسيطة، أمكنها في ظرف ساعات قليلة إطلاق تحويلات بقرابة 95 مليون يورو لفائدة مستفيدين جدد يقعون في ولايات قضائية بعيدة.
ففي المؤسسة البنكية، لا يُفترض مبدئياً أن تصدر رئاسة مجلس الإدارة أوامر تتعلق بالخزينة. ويمثّل الفصل بين المهام، ومبدأ «العيون الأربع»، والتثبّت من المستفيدين الجدد، الضمانات المعتادة في مواجهة هذا النوع من السيناريوهات. كما أن اتصال المحتالين أيضاً بمسؤول الخزينة يُظهر أنهم كانوا على دراية بسلسلة القرار الداخلية.
وسيتعيّن على التحقيق تحديد آليات الرقابة التي تم تفعيلها، وأسباب عجزها عن إيقاف العمليات. غير أن القضية تُبيّن منذ الآن أن أي منظومة لا تكون متينة إلا إذا طُبّقت أيضاً على كبار المسيّرين.
سبل الوقاية: التنظيم قبل التكنولوجيا
تتطوّر أدوات كشف التزييف العميق، على غرار البرنامج الذي طوّرته جامعة بوليتكنيكو دي ميلانو. غير أن التصدّي للصوت في الوقت الحقيقي عبر الهاتف يظلّ بالأساس مسألة تنظيمية. وتبرز من هذه القضية عدّة مبادئ.
أولها حظر أي أمر دفع هام يُنقل عبر الهاتف أو تطبيقات المراسلة، أيّاً كانت الجهة التي يبدو صادراً عنها. فالعمليات الاستثنائية يجب أن تمرّ حصراً عبر الأنظمة الداخلية للبنك، مع مصادقة شخصين مؤهّلين على الأقل.
وثانيها التثبّت عبر قناة مستقلة، أي معاودة الاتصال بالمرسِل المفترض على رقم معروف مسبقاً ومأخوذ من الدليل الداخلي، وليس أبداً على الرقم الذي بادر بالاتصال. ويمكن أن تُكمّل هذه المنظومةَ رموزُ تحقّق متّفق عليها مسبقاً بين المسيّرين.
وثالثها فرض أجل تثبّت إلزامي لكل مستفيد جديد يتجاوز مبلغ التحويل لفائدته سقفاً معيّناً، حتى عند التذرّع بالاستعجال. وفي المقابل، ينبغي أن يؤدّي أي طلب للسرية المطلقة آلياً إلى رفع الأمر إلى مصلحة الامتثال.
وأخيراً، توعية المسيّرين وأعضاء مجالس الإدارة، الذين باتوا أهدافاً ذات أولوية، إلى جانب القدرة على تجميد الأموال بسرعة بالتنسيق مع السلطات. ففي قضية فيديورام، كان هذا التعاون الدولي هو ما مكّن من استرجاع أكثر من نصف المبالغ.
ما الدروس بالنسبة إلى القطاع البنكي التونسي؟
ليست البنوك التونسية بمنأى عن هذا النوع من الهجمات. فمسيّروها حاضرون بانتظام في وسائل الإعلام والمؤتمرات والاتصالات المالية، وهو ما يوفّر المادة اللازمة لاستنساخ أصواتهم. كما أن استعمال واتساب في المبادلات المهنية منتشر على نطاق واسع.
وتأتي هذه القضية في وقت يشارك فيه مجلس السوق المالية، من 5 إلى 11 أكتوبر 2026، في الأسبوع العالمي للمستثمر. وبهذه المناسبة، أطلق المجلس ركناً مخصّصاً للتحذيرات ونشر دليلاً تطبيقياً لمكافحة الاحتيال عبر الإنترنت. ويشير هذا الدليل، الموجّه إلى المدّخرين، إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهّل إنتاج أصوات وصور ومقاطع فيديو مضلّلة. وإشارات الإنذار التي يرصدها، أي الضغط للتصرّف فوراً، و«الفرصة المحجوزة»، والدفع لفائدة مستفيد مجهول، هي تحديداً عناصر سيناريو فيديورام. كما أن توصيته بعدم الردّ أبداً على الرقم الوارد في الرسالة، والبحث بنفسه عن الإحداثيات الرسمية، تتطابق مع التثبّت عبر قناة مستقلة الذي كان بإمكانه إيقاف عملية الاحتيال. بل إن مجلس السوق المالية نفسه كان هدفاً لمحاولات انتحال تسميته، ولا سيما عبر شهادة ترخيص مزيّفة. فآليات التلاعب التي تستهدف المدّخر هي إذن ذاتها التي تطال رئيس بنك.
وتدعو قضية فيديورام المؤسسات إلى التأكّد من أن إجراءات الدفع لديها لا تتضمّن أي استثناء لفائدة الهياكل المسيّرة. كما تدعوها إلى إدراج مخاطر التزييف العميق ضمن تكوين أعضاء مجالس الإدارة وإطارات الخزينة، واختبار هذه المنظومات عبر تمارين محاكاة.
بإمكان بنك في حجم إنتيزا سان باولو استيعاب خسارة بـ36 مليون يورو. لكن الرهان الحقيقي في مكان آخر: فالثقة في صحة التعليمات، وهي أساس كل نشاط بنكي، لم يعد بالإمكان أن تقوم على الصوت أو الكتابة وحدهما.


Commentaires (0)
Connectez-vous pour commenter.